المقريزي
983
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وفي السنة الثانية والعشرين من ملك قسطنطين ، سارت أمّه هيلاني إلى القدس ، وبنت به كنائس للنصارى ، فدلّها مقاريوس الأسقف على الصّليب ، وعرّفها ما عملته اليهود ، فعاقبت كهنة اليهود حتى دلّوها على الموضع ، فحفرته فإذا قبر وثلاث خشبات ، زعموا أنّهم لم يعرفوا الصّليب المطلوب من الثّلاث خشبات ، إلّا بأن وضعت كلّ واحدة منها على ميّت قد بلي فقام حيّا عندما وضعت عليه خشبة منها . فعملوا لذلك عيدا ، مدّة ثلاثة أيّام ، عرف عندهم ب « عيد الصّليب » . ومن حينئذ عبد النصارى الصّليب ، وعملت له هيلاني غلافا من ذهب ، وبنت كنيسة القيامة - التي تعرف بكنيسة قمامة - وأقامت مقاريوس الأسقف على بناء بقيّة الكنائس ، وعادت إلى بلادها . فكانت مدّة ما بين ولادة المسيح وظهور الصّليب / ثلاث مائة وثمان وعشرين سنة « 1 » . ثم قام في بطركيّة الإسكندرية ، بعد إسكندروس ، تلميذه إثناسيوس الرّسولي ، فأقام ستّا وأربعين سنة ، ومات بعد ما ابتلي بشدائد ، وغاب عن كرسيه ثلاث مرّات « 2 » . وفي أيّامه جرت مناظرات طويلة مع أوسانيوس « a » للأسقف آلت إلى ضربه وفراره . فإنّه تعصّب لآريوس ، وقال : إنّه لم يقل إنّ المسيح خلق الأشياء ، وإنّما قال : به خلق كلّ شيء ، لأنّه كلمة اللّه التي بها خلق السّموات والأرض ، وإنّما خلق اللّه تعالى جميع الأشياء بكلمته ، فالأشياء به كوّنت لا أنّه كوّنها ، وإنّما الثلاث مائة وثمانية عشر تعدّوا عليه « 3 » . وفي أيّامه تنصّر جماعة من اليهود ، وطعن بعضهم في التّوراة التي بأيدي اليهود ، وأنّهم نقصوا منها ، وأنّ الصّحيحة هي التي فسّرها السّبعون « 4 » . فأمر قسطنطين اليهود بإحضارها ، وعاقبهم
--> ( a ) ابن البطريق : أومانيوس . ( 1 ) سعيد بن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 129 - 130 ؛ القلقشندي : صبح الأعشى 13 : 283 ؛ وفيما تقدم 1 : 721 - 724 . ( 2 ) نفسه 1 : 130 . ( 3 ) نفسه 1 : 131 . ( 4 ) التّوراة السّبعينيّة : هي التّوراة التي نقلت إلى اليونانية في عهد بطلميوس الثاني , Philadelphos الذي كان يشهد جلسات جوار الفلاسفة ، فلفت انتباهه تفوّق طائفة معيّنة أعلنوا عن أنفسهم أنّهم يهود . فطلب الملك ترجمة التّوراة التي يستندون إليها في حوارهم . فبعث إلى أورشليم فأشخص منها سبعين رجلا من اليهود وأمرهم أن يفسّروا له التّوراة وكتب الأنبياء من العبرانية إلى اليونانية ، وصيّر كلّ واحد منهم في بيت على حدة لينظر كيف يكون تفسير كلّ واحد منهم . تقول المصادر : إنّهم لمّا فسّروا الكتب نظر إلى -